الدرع الرقمي: ابتكار يمني يحارب المعلومات الضارة من قلب الأزمة

بواسطة | أبريل 7, 2026 | Innovation Stories AR

من قلب الأزمة في اليمن، أدرك همّام الدخلة وجود تهديد خفي يفتك بالأرواح: المعلومات المضللة. ومن خلال أكاديمية سولفيرينو التابعة للاتحاد الدولي، أطلق “الدرع الرقمي”، وهو روبوت دردشة يقوده الشباب يواجه الشائعات الضارة بمعلومات صحية موثوقة تُنقذ الأرواح. إنها قصة ابتكار يتمحور حول الإنسان، يحوّل الأدوات الرقمية إلى خط الدفاع الأقوى للمجتمعات المحلية.
;


في أحد المرافق الصحية الريفية المكتظّة في قرية بعزلة الوحج، مديرية قعطبة بمحافظة الضالع، كان أبٌ يحمل طفلته الصغيرة التي تعاني من جفاف حاد بعد أيام من الإسهال دون علاج. وعندما سأله الطبيب عن سبب تأخرهم في طلب الرعاية، أجاب بصوت متهدّج أنهم تلقّوا رسالة عبر واتساب تحذّرهم من زيارة المرافق الصحية، وتزعم أن العلاجات المنزلية كافية.

لم تكن هذه حالة معزولة، بل تعبيرًا عن نمط خطير ومتزايد في اليمن، حيث يرزح نظام صحي هش تحت ضغط موجات من المعلومات الضارة والمضللة التي تنتشر أسرع من قدرة الفرق الطبية على احتوائها. ويعكس ذلك اتجاهاً عالمياً أوسع، كما يبرز في تقرير الكوارث العالمي لعام 2026، الذي يحدّد المعلومات الضارة كأحد أكثر التحديات إلحاحًا في تشكيل الأزمات الإنسانية اليوم.

كان المتطوّع الشاب همّام الدخلة يعيش هذا الواقع يوميًا. فقد رأى بنفسه كيف يمكن لمقطع صوتي واحد أن يؤثّر على قرارات مئات الأسر. وخلال إحدى حملات التطعيم، انتشرت شائعة تزعم أن اللقاحات تسبب العقم، ووصلت خلال ساعات إلى عشرات القرى، فيما استغرق تصحيحها أسابيع. ومع تكرار هذه الحوادث، أصبح واضحًا لهمّام أن أساليب التوعية التقليدية لم تعد قادرة على مواكبة حجم وسرعة انتشار المعلومات الضارة.

ومن قلب هذا الواقع، برز سؤال بسيط لكنه عميق: ماذا لو استُخدمت الأدوات الرقمية نفسها التي تُستخدم لنشر الشائعات في مكافحتها؟ ماذا لو وُجد حل سهل يعمل على الهواتف التي يستخدمها الناس بالفعل؟ وماذا لو أصبحت تصحيحات فورية وموثوقة متاحة للجميع؟

كانت هذه الأسئلة الشرارة التي أطلقت فكرة الدرع الرقمي—روبوت دردشة ذكي يقدّم معلومات صحية موثوقة على مدار الساعة عبر أكثر التطبيقات استخدامًا في اليمن.

وبحثًا عن وسيلة لتحويل الفكرة إلى واقع، وجد همّام ضالته في أكاديمية سولفيرينو التابعة للاتحاد الدولي، التي فتحت باب التقديم لتحدي MDH، وهو برنامج صُمّم لمكافحة المعلومات المضللة والمغلوطة والمعلومات الضارة.

ورغم تردده في المنافسة مع أكثر من 200 مشروع من مختلف أنحاء العالم، قرر التقديم. وما وجده كان جهة تؤمن بالأفكار المنبثقة من المجتمعات نفسها. وعندما تم اختيار “الدرع الرقمي” ضمن أفضل المشاريع، شكّل ذلك اعترافًا حقيقيًا بأن تجارب العاملين في الخطوط الأمامية قد تم الاستماع إليها.

ومع الحصول على تمويل تأسيسي، انطلق العمل الفعلي—رغم أن التكاليف تجاوزت قيمة المنحة. وبدلًا من انتظار دعم إضافي، قرر همّام تغطية الفارق من مدخراته الشخصية، مدفوعًا بقناعة راسخة بأن كل يوم تأخير قد يعرّض أسرة أخرى لخطر شائعة ضارة. وخلال هذه المرحلة، قدّمت الأكاديمية دعمًا تقنيًا وإرشاديًا، فيما ساهم خبراء الاتحاد الدولي في توجيه المشروع وفق نهج ابتكار إنساني منظّم يتمحور حول احتياجات الناس.

بدأ التطوير رسميًا في أكتوبر 2025، واستمر بوتيرة مكثفة على مدى شهر كامل. وبالعمل مع مطوّر واحد، تم بناء البنية التقنية الأساسية، وتجميع مصادر صحية موثوقة، وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على فهم اللهجات اليمنية، وربط النظام بتطبيقي واتساب وتلغرام، قبل إخضاعه للاختبار والتحسين.

وفي 6 نوفمبر، أُطلقت النسخة الأولى من بوت تلغرام—في محطة مفصلية تحققت رغم انقطاعات الكهرباء وضعف الاتصال بالإنترنت.

وكان الأثر فوريًا. فقد بدأت الأمهات والشباب والعاملون الصحيون في تلقي معلومات موثوقة ساعدتهم على اتخاذ قرارات حاسمة. ففي تعز، قررت أم تطعيم أطفالها بعد أن أكد لها البوت أن الادعاءات التي تربط اللقاحات بالتوحّد غير صحيحة. وفي الحديدة، استخدم مدير أحد المراكز الصحية البوت كأداة موثوقة لتقديم معلومات دقيقة وسريعة للمرضى. كما ساهم متطوّعون شباب في نشر الخدمة عبر مجموعات محلية، ما سرّع من وتيرة اعتمادها.

وبعد نجاح الإطلاق على واتساب وتلغرام، برزت الحاجة إلى منصة رسمية مستقرة تكون مرجعًا موحدًا للجمهور. ورغم أن إنشاء موقع إلكتروني لم يكن ضمن خطة التنفيذ الأصلية، فإن الحاجة العملية إلى تعزيز المصداقية وتوسيع الوصول جعلت تطويره خطوة أساسية.

وبتصميم بسيط وواضح، أُطلق الموقع الإلكتروني الرسمي ليكون البوابة الرئيسية للمشروع—يشرح الخدمة، ويعرض قصص النجاح، ويوفّر وصولًا مباشرًا إلى البوتات، مع تأكيد واضح على أن جميع الخدمات مجانية وتعتمد على مصادر موثوقة يمنية وعالمية.

وتوسّعت الرؤية تدريجيًا لتتجاوز مجرد روبوت دردشة. إذ يسعى المشروع إلى دمج تحليل الصور والفيديوهات المضللة، والتطوّر إلى تطبيق مستقل، والوصول إلى جميع محافظات اليمن، وخدمة أكثر من 100,000 مستخدم. كما يقدّم نموذجًا قابلًا للتكرار في دول أخرى تواجه تحديات مشابهة.

وبالنسبة لأكاديمية سولفيرينو، يجسّد “الدرع الرقمي” نوع الابتكار الذي تسعى إلى دعمه: حلول تنبع من التجربة المعيشة، ويقودها شباب يفهمون سياقهم المحلي بعمق ويستجيبون لاحتياجات حقيقية. وكما قالت كاثرين إسكندر، رئيسة الشباب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا:
«يمثّل الدرع الرقمي مثالًا قويًا على كيف ينبغي أن يحدث الابتكار في السياقات الإنسانية—منطلقًا من التجربة الميدانية، ومتشكلًا وفق احتياجات المجتمعات، ويقوده شباب يرفضون اعتبار المعلومات الضارة أمرًا حتميًا. هكذا يبدو الابتكار المحلي المتمحور حول الإنسان عندما يتحوّل إلى واقع.»

أما بالنسبة لهمّام، فالقصة تتجاوز التكنولوجيا. إنها قصة ثقة—وحماية الناس من تهديد غير مرئي قد يعرّض حياتهم للخطر. كما يقول:
«أحلم أن تتمكن جدّتي في القرية من الوصول بسهولة إلى المعلومة الصحيحة. وأن نتمكن يومًا ما من مشاركة هذا النموذج مع دول أخرى. قد يصبح اليمن مكانًا تُصنع فيه حلول يحتاجها العالم.»

بهذا المعنى، لا يُعد “الدرع الرقمي” مجرد مشروع تقني، بل نافذة أمل رقمية في بلد يواجه يوميًا المرض والنزاع واضطراب المعلومات. وبدعم من أكاديمية سولفيرينو، يمضي هذا الابتكار الشبابي نحو تأثير أوسع، وحماية أقوى—وقصة لا تزال فصولها تُكتب.



🌍 Available in: Français | English | العربية

Website |  + posts

The IFRC Solferino Academy helps humanitarians find creative solutions to complex challenges.

0 تعليق

اترك رد